التخطي إلى المحتوى
كتب: آخر تحديث:

”عرب برلين”.. استنساخ ”الوطن” في قلب أوروبا

”عرب برلين”.. استنساخ ”الوطن” في قلب أوروبا

كتب: عمرو عوض
وكالة أنباء الشرق الأوسط

لا يكاد المرء يخطو إلى ميدان “هيرمان بلاتس” بمنطقة “نيوكولن” الواقعة جنوب العاصمة الألمانية برلين حتى يشعر أنه انتقل فجأة من أوروبا إلى شارع بإحدى الدول العربية، ومن الوهلة الأولى يمكن للمار أن يتبين الطابع العربي للمنطقة سواء من خلال الأحاديث التي تدور بنبرة عالية وبلهجات عربية مختلفة، أو من خلال واجهات المتاجر والمطاعم ذات الأسماء العربية المألوفة، أو حتى عبر ملاحظة احتلال كراسي المقاهي لجزء أكبر من الحيز المسموح به من أرصفة الشوارع المزدحمة بدورها بالمارة على غير عادة معظم شوارع العاصمة الألمانية.

وتعد منطقة نيوكولن أكبر مناطق تجمع الجاليات العربية في برلين – يليها بدرجة أقل منطقة “فيدنج” التي تجمع خليطا من الجنسيات العربية والتركية – ويقع بهذه المنطقة شارع “زونين آليه” الذي يطلق عليه البعض “شارع العرب” إذ يمتلئ الشارع وتفرعاته بالمساجد ومتاجر الحلويات العربية والمقاهي ومحلات الخضروات ومكاتب السفريات ومحلات المجوهرات العربية وحتى صالونات الحلاقة الرجالي غير المختلطة، وبمرور الوقت تحولت مظاهر الحياة بالشارع حتى أصبح نسخة مصغرة من الشوارع العربية، لدرجة أن أحد أصحاب المحال وقف ينادي على بضاعته قائلا “الموز بيورو.. الموز بيورو” وهي طريقة غير مألوفة بالنسبة للألمان.

وفي شارع صغير متفرع من “زونين أليه” يقع مقر جمعية الصداقة المصرية – الألمانية، والتي تعد أحد أهم أماكن تجمع المصريين في برلين، ومقرا غير رسميا للجالية المصرية.

وأشار أحد المهاجرين المصريين المقيمين في برلين منذ 35 عاما -رفض ذكر اسمه- إلى أن المهاجرين المصريين الذين وصلوا إلى البلاد منذ فترات طويلة استطاعوا الاندماج في المجتمع الألماني بشكل سهل إلى حد كبير، وأنهم من بين أقل الجاليات إثارة للمشاكل وارتكابا للجرائم.

وأضاف أن عملية الاندماج كانت أسهل خلال تسعينيات القرن الماضي والسنوات الأولى من الألفية نظرا إلى أن الهجرة كانت تتم بشكل فردي، أما في الفترة الأخيرة فإن عمليات اللجوء والهجرة الجماعية من دول الشرق الأوسط وأفغانستان جعلت من الصعب إدماج كل هذه الأعداد بنفس السهولة، ما تسبب في زيادة المشاكل المرتبطة بالمهاجرين وتزايد رفض المجتمع الألماني لسياسات اللجوء التي اتبعتها المستشارة أنجيلا ميركل، وذلك على الرغم من حاجة سوق العمل للمزيد من الأيدي العاملة.

وفي محاولة منها لدمج المهاجرين واللاجئين في المجتمع بشكل أسرع، تنظم الحكومة الألمانية العديد من الفاعليات التعليمية والثقافية ضمن ما يعرف بـ “دورات الاندماج”، كما توفر دورات مهنية تهدف لتأهيل هؤلاء المهاجرين إلى الدخول في سوق العمل.
وتشير التقارير إلى أن ألمانيا سجلت أرقاما قياسية خلال السنوات الماضية فيما يتعلق بعمليات الهجرة واللجوء، إذ أعلن وزير الداخلية الألماني توماس دو ميزيير، أن بلاده استقبلت 890 ألف طالب لجوء على أراضيها في 2015، فيما أوضح مكتب الإحصاء الألماني في يوليو الماضي أن إجمالي عدد المهاجرين الذين دخلوا البلاد العام الماضي وصل إلى 2,1 مليون شخص.

وخلال السنوات الخمسة الأخيرة تغيرت التركيبة الديموغرافية للعرب في برلين، إذ يشكل حاليا اللاجئون السوريون – الذين وصلوا إلى البلاد حديثا – النسبة الأكبر منهم، يليهم اللبنانيون والفلسطينيون المتواجدون في البلاد منذ فترات طويلة، ثم المصريون وأخيرا العراقيون الذين وصل معظمهم في أعقاب الغزو الأمريكي لبلادهم عام 2003.
ومن الملاحظ أنه على الرغم من هذا التنوع المذهبي إلا أن الأزمات الطائفية تكاد تكون معدومة أو على الأقل غير ظاهرة.

من جانبه، قال بريك إسماعيل – الذي يعيش في ألمانيا منذ عام 1990 وأسس مقرا للجالية المصرية في برلين قبل 9 سنوات – إن عدد المصريين في البلاد بدأ في التزايد في الفترة الأخيرة لاسيما بسبب الأزمة الاقتصادية التي أثرت على فرنسا وإيطاليا واتجاه الكثير من المهاجرين غير الشرعيين إلى ألمانيا كبديل.

وأشار إسماعيل إلى أن المقر الذي أنشأه يهدف لمساعدة المصريين المهاجرين في حل مشاكلهم اليومية، كما يوفر مكانا مناسبا لتجمع المصريين بعد أوقات العمل وخلال الإجازات والأعياد، مقترحا أن تقوم السفارة المصرية بتحديد يوم سنوي لتجميع الجالية ومناقشة مقترحاتهم وأفكارهم، بجانب عملها المعتاد.

وأوضح إسماعيل، أن عدد من المهاجرين المصريين تقدموا بمبادرة لإنشاء صندوق تبرعات داخل مصر يضع فيه كل مهاجر 100 يورو تخصص لشراء مواد غذائية وبيعها في مصر بسعر التكلفة فقط، بهدف المساعدة في تخفيف آثار الارتفاع الكبير في أسعار السلع المستوردة داخل مصر، ولمواجهة الاحتكارات التي يقوم بها كبار المستوردين.

وفي مقر الجمعية، تناثرت هموم الوطن الأم على طاولات ومقاعد شباب أتوا من محافظات مصرية مختلفة بحثا عن فرصة عمل أو بداية لما يظنون أنها حياة جديدة، وإن تمسكوا بتلابيب شخصيتهم المصرية، مجتمعين حول شاشات التلفاز لمشاهدة مباراة لنجم كرة القدم المصرية محمد صلاح، مع فريقه روما الإيطالي، وتبادلوا بين الحين والآخر الحديث عن أوضاع مصر وهم ينفسون الهموم مع دخان الشيشة والسجائر، فيما يتناول بعضهم طعاما مصريا أعدته أسر قدامى المصريين في العاصمة الألمانية.

التعليقات