شرح قصيدة اللغة العربية لحافظ إبراهيم

شرح قصيدة اللغة العربية لحافظ إبراهيم

على الرغم من شهرتها وصيتها، إلا أن كثيرون منا لا يعرفون شرح قصيدة اللغة العربية التي كتبها شاعر الشعب حافظ إبراهيم. صحيح أن القصيدة ذات صيت ذائع، لكن بعض ألفاظها قد تكون غير مفهومة لقطاع كبير منا.

وتحظى قصيدة اللغة العربية باهتمام خاص، كونها واحدة من أجمل القصائد التي تفاخرت بلغة القرآن. وزاد من جمال القصيدة وقوتها أن شاعرها حافظ إبراهيم عرف عنه دفاعه المستميت عن كل قضايا الأمة العربية. وفي هذا الموضوع، سنتحدث عن شرح قصيدة اللغة العربية.

قصيدة اللغة العربية

قبل التطرق إلى شرح القصيدة العربية ، سنقوم أولا بنشر القصيدة للتذكير بأبياتها الـ 23.

رَجَعْتُ لنفْسِي فاتَّهمتُ حَصاتِي وناديْتُ قَوْمِي فاحْتَسَبْتُ حياتِي
رَمَوني بعُقمٍ في الشَّبابِ وليتَني عَقِمتُ فلم أجزَعْ لقَولِ عِداتي
وَلَدتُ ولمَّا لم أجِدْ لعرائسي رِجالاً وأَكفاءً وَأَدْتُ بناتِي
وسِعتُ كِتابَ اللهِ لَفظاً وغاية ً وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِ
فكيف أضِيقُ اليومَ عن وَصفِ آلة ٍ وتَنْسِيقِ أسماءٍ لمُخْترَعاتِ
أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي
فيا وَيحَكُم أبلى وتَبلى مَحاسِني ومنْكمْ وإنْ عَزَّ الدّواءُ أساتِي
فلا تَكِلُوني للزّمانِ فإنّني أخافُ عليكم أن تَحينَ وَفاتي
أرى لرِجالِ الغَربِ عِزّاً ومَنعَة ً وكم عَزَّ أقوامٌ بعِزِّ لُغاتِ
أتَوْا أهلَهُم بالمُعجِزاتِ تَفَنُّناً فيا ليتَكُمْ تأتونَ بالكلِمَاتِ
أيُطرِبُكُم من جانِبِ الغَربِ ناعِبٌ يُنادي بِوَأدي في رَبيعِ حَياتي
ولو تَزْجُرونَ الطَّيرَ يوماً عَلِمتُمُ بما تحتَه مِنْ عَثْرَة ٍ وشَتاتِ
سقَى اللهُ في بَطْنِ الجزِيرة ِ أَعْظُماً يَعِزُّ عليها أن تلينَ قَناتِي
حَفِظْنَ وِدادِي في البِلى وحَفِظْتُه لهُنّ بقلبٍ دائمِ الحَسَراتِ
وفاخَرْتُ أَهلَ الغَرْبِ والشرقُ مُطْرِقٌ حَياءً بتلكَ الأَعْظُمِ النَّخِراتِ
أرى كلَّ يومٍ بالجَرائِدِ مَزْلَقاً مِنَ القبرِ يدنينِي بغيرِ أناة ِ
وأسمَعُ للكُتّابِ في مِصرَ ضَجّة ً فأعلَمُ أنّ الصَّائحِين نُعاتي
أَيهجُرنِي قومِي-عفا الله عنهمُ إلى لغة ٍ لمْ تتّصلِ برواة ِ
سَرَتْ لُوثَة ُ الافْرَنجِ فيها كمَا سَرَى لُعابُ الأفاعي في مَسيلِ فُراتِ
فجاءَتْ كثَوْبٍ ضَمَّ سبعين رُقْعة ً مشكَّلة َ الأَلوانِ مُختلفاتِ
إلى مَعشَرِ الكُتّابِ والجَمعُ حافِلٌ بَسَطْتُ رجائِي بَعدَ بَسْطِ شَكاتِي
فإمّا حَياة ٌ تبعثُ المَيْتَ في البِلى وتُنبِتُ في تلك الرُّمُوسِ رُفاتي
وإمّا مَماتٌ لا قيامَة َ بَعدَهُ مماتٌ لَعَمْرِي لمْ يُقَسْ بمماتِ

شرح قصيدة اللغة العربية

نظم شاعر النيل حافظ إبراهيم القصيدة على لسان اللغة العربية. وكان الوقت الذي صدرت فيه القصيدة من أصعب الأوقات على الأمة العربية. كانت البلدان العربية وقتها ترزح تحت وطأة الاحتلال.  

وقد أثّر الاحتلال في الهوية العربية وفي القلب منها اللغة العربية. وكان من مظاهر معاناة اللغة العربية وقتها انصراف بعض أبناء الأمة عنها، إضافة لدعوات كتابة اللغة العربية بأحرف لاتينية.

بدأ حافظ إبراهيم القصيدة بشكوى اللغة العربية من اتهامها بالجمود والعقم وعدم مواءمتها متطلبات العصر الحديث. وتندهش اللغة من هذا الاتهام، رغم أنها استطاعت أن تكون لغة القرآن التي عبرت عن كل آيات الله عز وجل بدقة وبلاغة وإعجاز.  

وتتساءل اللغة العربية كيف تتهم بالعجز عن وصف بعض أسماء الاختراعات والعلوم رغم نجاحها في توصيل آيات القرآن بسهولة يفهمها الجميع؟ وتؤكد اللغة العربية أنها مثل البحر الملئ باللالئ، كلما تعمقت فيه اكتشفت المزيد منه.

وتوجه اللغة العربية إلى أبناء الأمة لوما ومعاتبة شديدة يغلبها الحسرة والحزن. وتحذرهم اللغة العربية من أن مزاعم تعرضها للفناء يجب عليهم مواجهتها ومعالجة الخلل. وتندهش اللغة من حرص أبنائها على تركها من أجل لغة أخرى لا تتصل بهم، بل هي مثل سم أفعى في ماء عذب.

ثم تنتقل اللغة العربية إلى اعتزاز أبناء اللغات الأخرى بها. بعد ذلك تتحدث اللغة عن أن الأمل قائما، وتدعو أبنائها إلى الحفاظ على لغتهم، لأن موتها يعني دمار الأمة.